البغوي
58
شرح السنة
أَحَدِهِمَا فِي الآخَرِ ، كَمَا لَا يَجُوزُ إِسْلامُ الدَّرَاهِمِ فِي الدَّنَانِيرِ ، وَإِسْلامُ الْحِنْطَةِ فِي الشَّعِيرِ ، لاتِّفَاقِهِمَا فِي عِلَّةِ الرِّبَا . يَخْرُجُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ رَطْلَ حَدِيدٍ بِرَطْلَيْنِ ، أَوْ رَطْلَ نُحَاسٍ ، أَوْ صُفْرٍ ، بِأَرْطَالٍ مِنْ جِنْسِهِ يَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ نَقْدًا وَنَسِيئَةً ، وَيَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ يَدًا بِيَدٍ وَلا يَجُوزُ نَسِيئَةً ، وَلا يَجُوزُ عِنْدَ أَصْحَابِ الرَّأْيِ لَا نَقْدًا وَلا نَسِيئَةً . قَالَ شُعْبَةُ : سَأَلْتُ الْحَكَمَ عَنِ الصُّفْرِ بِالْحَدِيدِ نَسِيئَةً ؟ فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ . وَسَأَلْتُ عَنْهُ حَمَّادًا ، فَكَرِهَهُ . وَأَمَّا الأَشْيَاءُ الأَرْبَعَةُ الْمَطْعُومَةُ ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الرِّبَا ثَبَتَ فِيهَا بِوَصْفِ الْكَيْلِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ حَتَّى قَالُوا : يَثْبُتُ الرِّبَا فِي جَمِيعِ مَا يُبَاعُ كَيْلا فِي الْعَادَةِ ، مِثْلُ الْجَصِّ وَالنُّورَةِ وَنَحْوِهِمَا . وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِيهَا الطُّعْمُ مَعَ الْكَيْلِ أَوِ الْوَزْنِ ، فَكُلُّ مَطْعُومٍ هُوَ مَكِيلٌ أَوْ مَوْزُونٌ يَثْبُتُ فِيهِ الرِّبَا ، وَلا يَثْبُتُ فِيمَا لَيْسَ بِمَكِيلٍ وَلا مَوْزُونٍ ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ : لَا رِبًا إِلا فِي ذَهَبٍ ، أَوْ وَرِقٍ ، أَوْ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ مِمَّا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ قَدِيمًا ، وَقَوْلُ مَالِكٍ قَرِيبٌ مِنْهُ . وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ : يَثْبُتُ فِيهَا الرِّبَا بِوَصْفِ الطُّعْمِ ، وَأَثْبَتَ فِي جَمِيعِ الأَشْيَاءِ الْمَطْعُومَةِ ، مِثْلُ الثِّمَارِ ، وَالْفَوَاكِهِ ، وَالْبُقُولِ ، وَالأَدْوِيَةِ ، وَنَحْوِهَا ، سَوَاءً كَانَتْ مَكِيلَةً أَوْ مَوْزُونَةً أَوْ لَمْ تَكُنْ ، لِمَا رُوِيَ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : « الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مَثَلا بِمَثَلٍ » . فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّقَ الْحُكْمَ بِاسْمِ الطَّعَامِ ،